أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

331

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1565 - فسر في بلاد اللّه والتمس الغنى * تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا « 1 » أي : إلا أن تموت . والفرق بين هذا الوجه والذي قبله أنّ الجعل ليس غاية لإمساكهنّ في البيوت . قوله : لَهُنَّ فيه وجهان : أظهرهما : أنه متعلق ب « يَجْعَلَ » . والثاني : أنه متعلق بمحذوف لأنه حال من « سبيل » ، إذ هو في الأصل صفة نكرة قدّم عليها فنصب حالا ، هذا إن جعل الجعل بمعنى الشرع أو الخلق ، وإن جعل بمعنى التصيير فيكون « لَهُنَّ » مفعولا ثانيا قدّم على الأول وهو « سبيل » ، وتقديمه هنا واجب لأنهما لو انحلّا لمبتدأ وخبر وجب تقديم هذا الخبر لكونه جارّا ، والمبتدأ نكرة لا مسوّغ لها غير ذلك . [ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 16 إلى 17 ] وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما إِنَّ اللَّهَ كانَ تَوَّاباً رَحِيماً ( 16 ) إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 17 ) قوله تعالى : وَالَّذانِ : الكلام عليه كالكلام على « اللَّاتِي » إلا أنّ في كلام أبي البقاء ما يوهم جواز الاشتغال فيه ، فإنه قال : « الكلام في « الَّذانِ » كالكلام في « اللَّاتِي » ، إلا أنّ من أجاز النصب يصحّ أن يقدّر فعلا من جنس المذكور تقديره : آذوا اللذين ، ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها ههنا ولو عري من الضمير ؛ لأن الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط ، وتلك تقطع ما بعدها عما قبلها » فقوله : « من أجاز النصب » يحتمل من أجاز النصب المتقدمة في « اللَّاتِي » بإضمار فعل لا على سبيل الاشتغال كما قدّره هو بنحو « اقصدوا » ، ويحتمل من أجاز النصب على الاشتغال من حيث الجملة ، إلا أنّ هذا بعيد لأنّ الآيتين من واد واحد فلا يظنّ به أنه يمنع في إحداهما ويجيز في الأخرى ، ولا ينفع كون الآية الأولى فيها الفعل الذي يفسّر متعد بحرف جر ، والفعل الذي في هذه الآية متعدّ بنفسه فيكون أقوى ، إذ لا أثر لذلك في باب الاشتغال . والضمير المنصوب في « يَأْتِيانِها » للفاحشة . وقرأ عبد اللّه : « يأتين بالفاحشة » أي يجئن بها ، ومعنى قراءة الجمهور « يغشينها ويخالطنها » . وقرأ الجمهور : « وَالَّذانِ » بتخفيف النون ، وقرأ ابن كثير : « وَالَّذانِ » هنا ، و « اللذين » في حم السجدة بتشديد النون . ووجهها جعل إحدى النونين عوضا من الياء المحذوفة التي كان ينبغي أن تبقى ، وذلك أن « الذي » مثل « القاضي » ، و « القاضي » تثبت ياؤه في التثنية ، فكان حقّ ياء الذي والتي أن تثبت في التثنية ولكنهم حذفوها : إمّا لأنّ هذه تثنية على غير القياس ، لأنّ المبهمات لا تثنّى حقيقة ، إذ لا يثنى إلا ما ينكّر ، والمبهمات لا تنكر ، فجعلوا الحذف منبهة على هذا ، وإمّا لطول الكلام بالصلة . وزعم ابن عصفور أنّ تشديد النون لا يجوز إلا مع الألف كهذه الآية ، ولا يجوز مع الياء في الجر والنصب ، وقراءة ابن كثير في حم السجدة : « أرنا اللذين أضلّانا » حجة عليه .

--> ( 1 ) البيت لعروة بن الورد انظر ديوانه ( 89 ) ، رصف المباني ( 133 ) ، شرح الجمل لابن عصفور ( 2 / 156 ) ، المقرب ( 1 / ) .